الجوهري
6
الصحاح
يؤثرها بعمله العظيم . " أما المنهج الذي اتبعه فهو من ابتكاره ، وهداه إليه علمه الواسع بالصرف واشتغاله به ، فهو قد رأى أن ميزان الكلمة الفاء والعين واللام ، والتغيير يلحق ما قبل لام الكلمة ، وتنقلب " فعل " بين أحوال كثيرة وتأتي في صور شتى ، وهي : أفعل وفعل وفاعل وانفعل وافتعل وافعل وتفاعل وتفعل واستفعل وافعوعل وافعول وافعال . " وهذه - هي - أوزان مزيد الفعل المجرد ، ويظهر منها أن التغيير تناول الفاء والعين ، فتارة يتقدم الفاء حرف وتارة حرفان ، وتارة ثلاثة ، أما العين فقد تنفصل عن الفاء وقد تنفصل عن اللام ، وقد تضعف . " أما لام الكلمة فثابتة لا تتغير مهما اختلفت صورة الكلمة إلا في حالات قليلة ، ومتى لحقها التغيير أو زيد بعدها حرف أو حرفان فإن الكلمة تنتقل إلى أوزان أخرى ، ولا تعتبر من الثلاثي ، بل تصير رباعية ، أو خماسية ( 1 ) . " رأى الجوهري أن الفاء والعين لا تثبتان في موضع ، ولا تبقيان على حال ، أما اللام فثابتة ، فترك ترتيب الكلمات على أوائل الحروف لان فيه متيهة الباحث الذي لا يعرف التصريف والمجرد والمزيد ، فكلمة " أكرم " واستنوق وترهل ومحجة تضلل الباحث الشادي ، بل رأيت بعض العلماء يضلون في الكشف عن مواضعها من المعجم ، ولا يعرف في أي حرف هي . " أما طريقة الجوهري فمأمونة هادية ، فيجد الباحث " أكرم " وكل ما تفرع من مادة " كرم " في باب الميم ، واستنوق في باب القاف ، وترهل في باب اللام ، ومحجة في باب الجيم ، وإذا كان الباحث عارفا بالمجرد والمزيد فإنه سيجد أكرم في فصل الكاف ، واستنوق في فصل النون ، وترهل في فصل الراء ، والمحجة في فصل الحاء . " وأعتقد أن ما ذكرته هو الذي حمل الجوهري على اتباع منهجه الذي ابتكره ابتكارا ، أما السبب الذي رآه بعض العلماء - وذكرناه - فهو رأي لا قيمة له علميا . " وأعانه على هذا الابداع في نظامه علمه الواسع بالنحو والصرف حتى قيل في وصفه : إنه " خطيب المنبر الصرفي ، وإمام المحراب اللغوي ، وإنه أنحى اللغويين " . وما نزال عند رأينا وهو أن الجوهري سابق متفرد ، وإمام هذه المدرسة دون منازع ، ومبتكر فإذ ، ومبتدع منهجه ابتداء لم ينظر فيه إلى مثال سبقه .
--> ( 1 ) استدراك : ليس هذا تغييرا في لام الكلمة ، فهي ثابتة لا تغيير ، وإن زيد بعدها حرف فهو من جنسها ، وأما الضمائر التي تأتي في أواخر الافعال فلا تغير من بناء الكلمة .